ابن أبي الحديد
86
شرح نهج البلاغة
وخامس عشرها : انه يحب ويرضى من غير رقة ، ويبغض ويغضب من غير مشقة ، وذلك لان محبته للعبد ارادته أن يثيبه ، ورضاه عنه أن يحمد فعله ، وهذا يصح ويطلق على الباري ، لا كاطلاقه علينا ، لأن هذه الأوصاف يقتضى اطلاقها علينا رقة القلب ، والباري ليس بجسم ، واما بغضه للعبد فإرادة عقابه وغضبه كراهية فعله ووعيده بإنزال العقاب به ، وفى الأغلب إنما يطلق ذلك علينا ويصح منا مع مشقة تنالنا من إزعاج القلب وغليان دمه ، والباري ليس بجسم . وسادس عشرها : انه يقول لما أراد كونه كن ، فيكون من غير صوت يقرع ، ولا نداء يسمع ، هذا مذهب شيخنا أبى الهذيل ، واليه يذهب الكرامية واتباعها من الحنابلة وغيرهم ، والظاهر أن أمير المؤمنين عليه السلام أطلقه حملا على ظاهر لفظ القرآن في مخاطبة الناس بما قد سمعوه وأنسوا به ، وتكرر على أسماعهم وأذهانهم ، فاما باطن الآية وتأويلها الحقيقي فغير ما يسبق إلى أذهان العوام ، فليطلب من موضعه . وسابع عشرها : إن كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا ، هذا هو دليل المعتزلة على نفى المعاني القديمة التي منها القرآن ، وذلك لان القدم عندهم أخص صفات الباري تعالى ، أو موجب عن الأخص ، فلو أن في الوجود معنى قديما قائما بذات الباري ; لكان ذلك المعنى مشاركا للباري في أخص صفاته ، وكان يجب لذلك المعنى جميع ما وجب للباري من الصفات ، نحو العالمية والقادرية وغيرهما ، فكان إلها ثانيا . فان قلت ما معنى قوله عليه السلام ( ومثله ) ؟ قلت : يقال مثلت له كذا تمثيلا ، إذا صورت له مثاله بالكتابة أو بغيرها ، فالبارئ مثل القرآن لجبريل عليه السلام بالكتابة في اللوح المحفوظ فأنزله على محمد صلى الله عليه وآله .